أحمد بن محمود السيواسي

150

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 80 ] اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) قوله ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) نزل حين جاء نفر منهم إلى النبي عليه السّلام فقالوا يا رسول اللّه ! استغفر لنا « 1 » ، فقال اللّه تعالى لنفي الغفران عنهم « اسْتَغْفِرْ لَهُمْ » وهو أمر في معنى الخبر « 2 » ، وكذا « لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ » ، أي نهي في معنى الخبر ، وفيهما معنى الشرط « 3 » ، و « أَوْ » بينهما لإفادة التسوية ، كأنه قيل لا يغفر اللّه لهم ، استغفرت لهم أم لا تستغفر لهم « 4 » ، يعني إن شئت استغفر لهم وإن شئت فلا تستغفر لهم « 5 » ، أي للمنافقين ( إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) نصب « سَبْعِينَ » على أنه مصدر ، إذ العدد بعد ذكر الفعل يقع موقع المصدر نحو ضربته عشرين ضربة ، وإنما ذكر هذا العدد حسما لطمعهم عن المغفرة على عادة العرب ، لأنه مثل لغاية الكثرة عندهم ، يعني إن بالغت في الاستغفار ( فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ ) أي عدم غفرانه لهم ( بِأَنَّهُمْ ) أي بسبب أنهم ( كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) في السر الذي هو مقر الإيمان ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) [ 80 ] أي الذين يضمرون الكفر في قلوبهم بدل الإيمان . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 81 ] فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 ) قوله ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ ) أي رضي المخلفون عن الغزو ، نزل إخبارا عن حال المنافقين الذين استأذنوا رسول اللّه بالتخلف عن الخروج إلى الجهاد « 6 » ، فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك ، فرضوا ضاحكين مسرة ( بِمَقْعَدِهِمْ ) أي بقعودهم ( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) نصبه ظرف ، أي بعد ذهابه أو بمعنى المخالفة ، فنصبه مفعول له ، أي لمخالفته أو حال ، أي قعدوا مخالفين له « 7 » ( وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا ) كما فعل المؤمنون ( بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا ) أي قال بعضهم لبعض ( لا تَنْفِرُوا ) أي لا تخرجوا إلى الجهاد ( فِي الْحَرِّ ) فإنه شديد ( قُلْ ) لهم ( نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ) أي من حر تبوك ( لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ) [ 81 ] أي يعلمون ذلك ، وهذا استجهال لهم ، لأن من صان نفسه من مشقة ساعة فوقع بذلك في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 82 ] فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) قوله ( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ) تهديد وتوبيخ لهم بصيغة الأمر ، أي سيضحكون قليلا في الدنيا ( وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ) أي ويبكون كثيرا في الآخرة ( جَزاءً ) أي عقوبة لهم ( بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) [ 82 ] من الكفر والنفاق وإنما أخرجهما في صورة الأمر ليدل على أنه واجب الثبوت لا يكون غيره . روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يرسل اللّه البكاء على أهل النار فيبكون حتى ينقطع الدموع ، ثم يبكون الدم حتى يرى في وجوههم كهيئة الأخدود » « 8 » . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 83 ] فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) ثم قال لنبيه عليه السّلام ( فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ ) أي ردك اللّه من غزوتك هذه ( إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ ) أي من المخلفين

--> ( 1 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 2 / 65 . ( 2 ) وهو أمر في معنى الخبر ، س م : وهو أمر في معنى الخبر بمعنى يعني إن شئت استغفر لهم وإن شئت لا تستغفر لهم ، س . ( 3 ) وفيهما معنى الشرط ، ب : - ب س . ( 4 ) كأنه قيل لا يغفر اللّه لهم استغفرت لهم أم لا تستغفر لهم ، ب : - س م . ( 5 ) يعني إن شئت استغفر لهم وإن شئت فلا تستغفر لهم ، ب م : - س . ( 6 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 65 . ( 7 ) أي قعدوا مخالفين له ، س : أي مخالفين ، ب م . ( 8 ) أخرجه ابن ماجة ، الزهد ، 38 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 65 - 66 .